الشيخ محمد النهاوندي
379
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الصّوت ، متوافقين في المزاج وخصوصيّات الأخلاق بحيث لا يتمايز أحدهما عن الآخر ، مع أنّ غالب الحيوانات البريّة أو البحريّة لا يكون بين أكثر أفراد نوع واحد منها تميّز ظاهر ، وليس هذا الاختلاف في أفراد الإنسان إلّا للتّعارف ، ولولاه لاختلّت معائشهم ونظام أمورهم . واستقصاء الكلام في عجائب خلقة الإنسان بل كلّ من أنواع الحيوانات لا مطمع فيه لأحد ، حيث إنّه بحر لا ساحل له « 1 » . في حكمة تمويج الرياح وَ في تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتحريكها وتمويجها ، فإنّ فيه حكمة بالغة والنظام الأتمّ ، حيث إنّ فيه كمال النّفع للنّباتات والحيوانات ، إذ لكلّ منها تنفّس بها ، فلو لم يتغير الهواء بهبوب الرّياح لفسد ، وبفساده هلكت الحيوانات والنباتات . قال بعض : لو لم تكن الرّياح والذباب لأنتنت الدنيا « 2 » . في وجه تسمية الهواء المتموّج بالريح وبالمبشّر وبيان أقسام الرياح قيل : سمّيت الرّيح ريحا لأنّ في هبوبها الرّوح والرّاحة ، وفي انقطاعها الكرب والغمّ « 3 » . وإنّما سمّى اللّه تعالى الرّياح مبشّرات ؛ لأنّ فيها مع عظم منافعها تحريك السحاب الممطر الذي به حياة الأرض ، وبحياتها حياة جميع الحيوانات ، فإنّ بالعشب تعيش الدّوابّ ، وبالثّمار يتقوّت الإنسان . ثمّ اعلم أنّ للرّياح أقساما أربعة : أحدها : الصّبا ، ويقال لها : القبول لاستقبالها الدّبور ، وهي شرقية . وثانيها : الدّبور ، وهي غربيّة . وثالثها : الشّمال وهي شمالية . ورابعها : الجنوب وهي جنوبيّة . وكلّ ريح هبّت من بين المهبّين من المهابّ الأربعة تسمّى نكباء ، ولكلّ واحدة منها منافع لا تحصى . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه إذا هبّت ريح ، قال : « اللهمّ اجعلها رياحا ، ولا تجعلها ريحا » « 4 » . ولعلّ فيه إشارة إلى أنّ هبوب الرّياح من جميع الجوانب إحاطة الرّحمة بالخلق ، وأنّ لكلّ ريح
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 200 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 268 . ( 3 ) . تفسير الرازي 4 : 201 . ( 4 ) . تفسير الرازي 4 : 202 .